
قيامة يسوع
فَقَالَ لَهُنَّ: «لَا تَنْدَهِشْنَ! أَنْتُنَّ تَطْلُبْنَ يَسُوعَ ٱلنَّاصِرِيَّ ٱلْمَصْلُوبَ.
قَدْ قَامَ! لَيْسَ هُوَ هَهُنَا. هُوَذَا ٱلْمَوْضِعُ ٱلَّذِي وَضَعُوهُ فِيهِ».
ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ وَتَلامِيذُهُ إِلَى قُرَى قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ. وَفِي ٱلطَّرِيقِ سَأَلَ تَلَامِيذَهُ قَائِلًا لَهُمْ: «مَنْ يَقُولُ ٱلنَّاسُ إِنِّي أَنَا؟».
فَأَجَابُوا: «يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانُ. وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا. وَآخَرُونَ: وَاحِدٌ مِنَ ٱلْأَنْبِيَاءِ».
فَقَالَ لَهُمْ: «وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟».
فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ: «أَنْتَ ٱلْمَسِيحُ!».
فَٱنْتَهَرَهُمْ كَيْ لَا يَقُولُوا لِأَحَدٍ عَنْهُ. […]
وَكَانُوا فِي ٱلطَّرِيقِ صَاعِدِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَقَدَّمُهُمْ يَسُوعُ، وَكَانُوا يَتَحَيَّرُونَ. وَفِيمَا هُمْ يَتْبَعُونَ كَانُوا يَخَافُونَ. فَأَخَذَ ٱلِٱثْنَيْ عَشَرَ أَيْضًا وَٱبْتَدَأَ يَقُولُ لَهُمْ عَمَّا سَيَحْدُثُ لَهُ: «هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْكَتَبَةِ، فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِٱلْمَوْتِ، وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى ٱلْأُمَمِ، فَيَهْزَأُونَ بِهِ وَيَجْلِدُونَهُ وَيَتْفُلُونَ عَلَيْهِ وَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِثِ يَقُومُ».
وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا ٱبْنَا زَبْدِي قَائِلَيْنِ: «يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ لَنَا كُلَّ مَا طَلَبْنَا».
فَقَالَ لَهُمَا: «مَاذَا تُرِيدَانِ أَنْ أَفْعَلَ لَكُمَا؟».
فَقَالَا لَهُ: «أَعْطِنَا أَنْ نَجْلِسَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَٱلْآخَرُ عَنْ يَسَارِكَ فِي مَجْدِكَ».
فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: «لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ. أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا ٱلْكَأْسَ ٱلَّتِي أَشْرَبُهَا أَنَا، وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِٱلصِّبْغَةِ ٱلَّتِي أَصْطَبغُ بِهَا أَنَا؟».
فَقَالَا لَهُ: «نَسْتَطِيعُ».
فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: «أَمَّا ٱلْكَأْسُ ٱلَّتِي أَشْرَبُهَا أَنَا فَتَشْرَبَانِهَا، وَبَالصِّبْغَةِ ٱلَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا تَصْطَبِغَانِ. وَأَمَّا ٱلْجُلُوسُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ إِلَّا لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَهُمْ».
وَلَمَّا سَمِعَ ٱلْعَشَرَةُ ٱبْتَدَأُوا يَغْتَاظُونَ مِنْ أَجْلِ يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا. فَدَعَاهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ ٱلَّذِينَ يُحْسَبُونَ رُؤَسَاءَ ٱلْأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَأَنَّ عُظَمَاءَهُمْ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلَا يَكُونُ هَكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ عَظِيمًا، يَكُونُ لَكُمْ خَادِمًا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ أَوَّلًا، يَكُونُ لِلْجَمِيعِ عَبْدًا. لِأَنَّ ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ». مرقس 27:8-30؛ 32:10-45
لقد خدم يسوعُ مدّة ثلاث سنوات تقريبًا، حيث كان تلاميذُه شهودَ عَيان لسلطته العليا. لقد علّم يسوع بسلطان، وطَرَد الأرواح النّجسة بقوّة سلطانه، شفى الكثيرين وأعلن سلطانه على الطّبيعة، حتّى أنّه أقام صبيّةً من الموت فقط بقوَّة كلمته: «طَلِيثَا، قُومِي!». وفقط والآن أعمالُه العظيمة فقط جعلت تلاميذَه يدركون هويّته الحقيقيّة، أنّه المسيح الموعود، ملكُ إسرائيل. ومع ذلك، فإنّ معرفتهم ليسوع أنّه المسيح كانت معرفة غيرَ مكتمِلة بعد.
في الحقيقة، يسوع هو ملِكٌ، لكنَّ مملكتَه ليست مثل ممالك هذا العالم. فقد علّم يسوع تلاميذه عن كلّ ما يخصُّ مملكتَه بطرُقٍ مختلفة، وبرهنَ لهم بحياته قِيَم هذا الملكوت. ومع ذلك، كانت قدرتُهم على إدراكِ أنّه المسيح محدودةً للغاية، بسبب الأفكار المُسبقة وطموحاتهم الشَّخصيّة، فقد توقّعَ التلاميذ بأنّ يسوع سوف يؤسّس مملكته على الأرض. في الواقع، إنَّ أنبياءَ إسرائيل تنبّأوا بخصوص مجد المسيح ومملكته، لكنّهم تنبأوا أيضًا عن رفضه، آلامه، موته وقيامته. سوف يَحكمُ يسوع حقًّا على العالم من أورشليم، لكن لم يحِنِ الوقتُ بعد لتأسيس مملكته الأرضيّة.
عندما صعدَ يسوع إلى أورشليم في عيد الفصح، كان على عِلمٍ بأنَّ وقتَ آلامِهِ قد حان. لذلك شَرَح لتلاميذه بالتّفصيل عمَّا سيحدُث له. لكنَّ طلَبَ يعقوب ويوحنّا يُثبِت بأنّهما لم يستمِعا إلى يسوع على الإطلاق: «أَعْطِنَا أَنْ نَجْلِسَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَٱلْآخَرُ عَنْ يَسَارِكَ فِي مَجْدِكَ». فبدلاً من الاستعداد للاضطهاد الّذي كان على وشك أن يحدُثَ لهم، طلبوا أن يرفعَ مركزَهم أعلى من التّلاميذ الآخرين.
لقد أجاب يسوع على طلبهم بتوبيخ: «لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ. أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا ٱلْكَأْسَ ٱلَّتِي أَشْرَبُهَا أَنَا، وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِٱلصِّبْغَةِ ٱلَّتِي أَصْطَبغُ بِهَا أَنَا؟». إنّ المشاركة بكأس شخص ما، تعني المشاركة في مصيره. فمن ناحية، سوف يتألّم التّلاميذ أيضًا، ومن ناحيةٍ أخرى، سوف يتألّمون بطريقة مختلفة تمامًا. الكأسُ الّذي سيشربُه يسوع هو رمزٌ لغضَب الله، فإنَّ تشبيه شُربِهِ للكأس يصف بأنَّ يسوع يَقبَل، وعن معرفةٍ سابقة منه، بأنّه يأخذ غضَبَ الله على نفسِه. سوف يشرب يسوع الكأس عند موته لتهدئة غضب الله على شرِّ الإنسان. لقد كانت آلام يسوع على الصّليب مختلفة تمامًا عن الآلام البشريّة، حيث جعل الله يسوع، الّذي لم يعرف خطيّةً خَطيّةً لأجلنا، لنصبح نحن أبرارًا عند الله فيه، كما هو مكتوب: «لِأَنَّهُ جَعَلَ ٱلَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لِأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ ٱللهِ فِيهِ». وفي اللّحظة الّتي فيها جُعِل يسوعُ خطيّة، تركه الله الآب لبعض الوقت. إنّ هذا الانفصال والألم الرّوحيّ المُصاحِب له يفوق قدرتنا على فهمه. لقد تألّم يسوع من أجلنا حتّى ننال الغفران ولنكون مرضيّين عند الله.
لم يردَعْ توبيخُ يسوع يعقوبَ ويوحنّا، لكنّهما استمرّا في رغبتهما لتوفيرِ يسوع لهما مركزًا في ملكوته. لذلك أجاباه: «نَسْتَطِيع»، فإنّهما لم يكونا قادرَين على فهم شدّة الألم الرّهيب الّذي كان سوف يتألّمه يسوع بموته الكفّاريّ. وافق يسوع معهما بأنّهما سيُعانِيانِ أيضًا، ولكن بطريقة مختلفة جدًّا: «أَمَّا ٱلْكَأْسُ ٱلَّتِي أَشْرَبُهَا أَنَا فَتَشْرَبَانِهَا، وَبَالصِّبْغَةِ ٱلَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا تَصْطَبِغَانِ. وَأَمَّا ٱلْجُلُوسُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ إِلَّا لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَهُمْ». في الواقع، بعد عدّة سنوات قُتِل يعقوب على يد هيرودس أغريباس، فكان أوّلَ تلميذٍ يُقتَل، وفي النّهاية أيضًا قُتِلَ باقي التّلاميذ، كلَّ واحد في وقتِه، ما عدا يوحنّا الذي تألّم كثيرًا خلال حياته ومات في سنِّ الشّيخوخَة.
لاحِظ: يوضّح لنا الطّلبُ الأنانيُّ ليعقوب ويوحنّا مدى أهميّة الانتباه إلى كلمات يسوع وفهمها حرفيًّا. يجب ألّا نُحرّف كلمات يسوع لتناسِب وجهة نظرنا لِلعالم. إنَّ الرّغبة في اختراع يسوع آخر، ليتوافقَ مع المعيار الاجتماعيّ وينكرَ ضرورة المَغفرة، التّضحية وخدمةِ الآخرين للآخرين، تتناقضُ بشَكلٍ تامّ مع رسالةِ الإنجيل. على الرّغم من أنَّ سُلطة يسوع كانت أعظمَ سبعة أضعاف من سُلطة ملوك هذا العالم، فقد رفضَ قبول أيّة قوّة أرضيّة من أجل إكمال خدمتِه، وإحداث تغييرٍ ثوريٍّ في حياة تلاميذه. كان الرّسول بولس قادرًا على وصف هذا التّغيير الهائل: «فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ ٱللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ ٱللهِ، عِبَادَتَكُمُ ٱلْعَقْلِيَّةَ. وَلَا تُشَاكِلُوا هَذَا ٱلدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ ٱللهِ: ٱلصَّالِحَةُ ٱلْمَرْضِيَّةُ ٱلْكَامِلَةُ».
حتّى في يومنا هذا، فإنَّ الدَّعوة لإتّباع يسوع والدّخول إلى ملكوت الله ما زالت تتطلّب منّا بأن نتبنّى قِيَمًا مختلفة تمامًا عن قِيَم هذا العالم. يدعونا يسوع لنحيا بحسَب تعاليمه ولطاعة كلماته: «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ».
لم يتمكّن التّلاميذ من الوصول إلى فهمٍ كاملٍ لهويّة يسوع أنّه المسيح خلال حياته، وإنّما بعد موته وقيامته، حيث توضَّحَت لهم هويّتُه بكاملها. لقد علّم يسوع تلاميذه أنّه بموته سوف يبذل حياته فديةً عن كثيرين: «كَمَا أَنَّ ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ». فبموت يسوع على الصّليب أعطى حياته فديةً للكثيرين، أي أنّه بذل حياته فديةً لكلّ من يثق به لمغفرة الخطايا. لم يمت يسوع فقط من أجل خطايا أبناء جيله، إنّما أيضًا من أجل خطايا كلّ الأجيال.
إنَّ جميعَ البشَر، وبدون استثناء، بحاجة إلى مغفرة الخطايا أمام الله. إنَّ الله حقًا قاضٍ عادلٌ، وبالتالي يجب أن يحكم على خطايانا، والعقوبة التي نستحقُّها بسبب خطايانا هي الموت. ليس لدينا خيارٌ آخر لخلاص أنفسنا، أي انّه، لا توجد طريقة أخرى يمكنُنا من خلالها أن نُسدّدَ ديْنَنا تجاه الله بسبب خطايانا. لقد حَمَل يسوع بموته العقوبة التي نستحقُّها ووَهَب لنا حياته فديةً من أجلنا، وبذلك قد حرّرنا من عبوديّة الخطيّة والموت، كما هو مكتوب: «إِذًا لَا شَيْءَ مِنَ ٱلدَّيْنُونَةِ ٱلْآنَ عَلَى ٱلَّذِينَ هُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، ٱلسَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ ٱلرُّوحِ. لِأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ ٱلْحَيَاةِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ ٱلْخَطِيَّةِ وَٱلْمَوْتِ».

فَقَالَ لَهُنَّ: «لَا تَنْدَهِشْنَ! أَنْتُنَّ تَطْلُبْنَ يَسُوعَ ٱلنَّاصِرِيَّ ٱلْمَصْلُوبَ.
قَدْ قَامَ! لَيْسَ هُوَ هَهُنَا. هُوَذَا ٱلْمَوْضِعُ ٱلَّذِي وَضَعُوهُ فِيهِ».

فَصَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَأَسْلَمَ ٱلرُّوحَ.
وَلَمَّا رَأَى قَائِدُ ٱلْمِئَةِ ٱلْوَاقِفُ مُقَابِلَهُ أَنَّهُ صَرَخَ هَكَذَا وَأَسْلَمَ ٱلرُّوحَ،[…]
قَالَ: «حَقًّا كَانَ هَذَا ٱلْإِنْسَانُ ٱبْنَ ٱللهِ!».

وَأَمْسَكَ بِيَدِ ٱلصَّبِيَّةِ وَقَالَ لَهَا:
.«طَلِيثَا، قُومِي!»
© 2022 جميع الحقوق محفوظة-NabiMinAlJalil.com